الشيخ سعيد النوري المرشد الثالث لطلاب رسائل النور

ولد الشيخ سعيد النوري عام 1937 في ناحية “قُلَة أونو” التابعة لمحافظة إسبارطة، كان أبوه الحافظ مصطفى أحد أقرب تلاميذ الإمام بديع الزمان سعيد النورسي الستة الذين سماهم “الأركان الستة”، وقد كانت ناحية قولة أونو إحدى أهم المراكز التي كان لها دور في استنساخ رسائل النور التي ألفها الإمام بديع الزمان سعيد النورسي ونشرها في أرجاء تركيا، فعاش طفولته في بيئة مثل هذا المركز النشيط في دعوة رسائل النور. ــ عندما وُلد الأستاذ سعيد النوري أراد أبوه أن يسميه (سعيد النورسي) تيمنا بأستاذه؛ ولكن الأستاذ النورسي قام بتغيير الاسم إلى (سعيد النوري) وقد ذكر ذلك في كتاب ملحق أمير طاغ بقوله ( الحافظ مصطفى الذي هو من بين المحترمين المجتهدين وقد سعى كثيرا لنشر رسائل النور ينبغي أن يسمي ابنه المبرور المحفوظ الذي كتب لي الشعاع السادس بـ (سعيد النوري) حتى تكون علاقته بأنوار رسائل النور قوية). بدأ تلقي العلم وحفظ القرآن صغيرا على يد والده وتحت إشرافه أولا، ثم على يد شيوخ آخرين، وعندما كان ابن اثني عشر سنة شهد مع أبيه محاكمة الإمام النورسي في محافظة أفيون عام 1949 عندما كان سجينًا، وتشرف بتقبيل يد الإمام النورسي ونيل دعائه له وهو يساق إلى قاعة المحكمة تحت الإجراءات الأمنية المشددة. ولأنه نشأ في بيت ارتبط بدعوة رسائل النور، فقد كان مجتهدا في صباه في نسخ رسائل النور، وصبر على فقدان الوالد في السجون والمعتقلات بسبب رسائل النور، وكانت والدته الفضلى مثالا للزوجة الوفية والأم الصبورة التي تقف مع زوجها في محنته، وتجتهد أن تربي ابنها على منهج رسائل النور وتثبته على ذلك. توفي والده الحافظ مصطفى عام 1950 ولكنه استمر في التمسك بدعوة رسائل النور بكل قوته. وكان يزور الإمام النورسي مرات عديدة عندما كان الإمام في إسبارطة ويقبل يديه ويسمع نصائحه ووصاياه وأوامره، وقد زار الإمامَ النورسي قبل أن يلتحق بالجيش لأداء الخدمة العسكرية عام 1958 وكانت آخر زيارته له، فقال له الإمام فيها مظهِرا له حبه واهتمامه به: “يا حافظ سعيد بعد عودتك من الخدمة العسكرية سأقربك مني في الدعوة”، وبعد عودته من الجيش بسبب وفاة الإمام النورسي عام 1960 قدم إسطنبول وتلقى دروسًا في اللغة العربية وقراءة القرآن الكريم. لقد عين الإمام النورسي قبل وفاته الشيخ أحمد خسرو خليفة له من بعده على رأس دعوة رسائل النور، ولم يمض وقت طويل حتى دعا الشيخُ أحمد خسرو الأستاذَ سعيد النوري إلى بيته ليسلمه قيادة دعوة رسائل النور في إسبارطة، وقد كان وجهُ الشيخِ أحمد خسرو مثل وجه الإمام النورسي وصوْتُه مثل صوْتِه مدة من الزمن عندما كان يتحدث مع الشيخ سعيد النوري، وقد ترك هذا تأثيرا بالغًا في نفسه، وشجعه كثيرًا على النشاط في الدعوة، فألقى محاضرات ودروسًا في القرآن الكريم ورسائل النور مدة طويلة في مدينة إسبارطة وفي المراكز التي افتتحت في ناحية قولة أونو، وربى كثيرا من التلاميذ، وخلال خمس عشرة سنة قضاها في جوار الشيخ أحمد خسرو عمل في الدعوة تحت أمره وكان أخلص تلاميذه إليه، وأقرب رفقاء دربه، وأخلص مشاوريه وكأنه أحب أولاده. وقد قضى الشيخ أحمد خسرو والشيخ سعيد النوري عقوبة ستة أشهر في السجن عام 1964في إسبارطة ثم ثلاث سنوات من عام 1971 حتى عام 1974 في محافظة أسكي شهر مع بعض رفقاء دربه من أمثال السيد مصطفى النوري، وبعد خروج الشيخ أحمد خسرو عام 1974 من السجن أسس وقف الخيرات مع رفقاء دربه في الدعوة من أجل طبع ونشر مصحف التوافقات الذي اكتشفه الإمام النورسي وكتبه الشيخ أحمد خسرو والذي وصفه الإمام النورسي بقوله: “لم يقدر أحد على كتابة مثل هذا المصحف منذ خير القرون حتى يومنا هذا”، ثم أقيمت مطبعة خصيصا لطبع هذا المصحف. لقد جاهد الشيخ سعيد النوري ورفقاؤه مع الشيخ أحمد خسرو جهادا كبيرا في ظروف ذلك العهد الصعبة، وبعد ثلاث سنوات من العمل والدعوة معًا في مركز الوقف بإسطنبول انتقل الشيخ أحمد خسرو إلى رحمة الله عام 1977، لقد كان الشيخ أحمد خسرو يرى الشيخ سعيد النوري أكثر تلاميذه إخلاصًا وصدقًا ووعيًا، لذا عهد إليه تولي أمر الوقف وبالتالي تولي قيادة الدعوة من بعده بوصية مكتوبة قبل وفاته. وبناء علی ذلك تولى الشيخ سعيد النوري الإشراف على دعوة رسائل النور ووقف الخيرات وتلاميذ رسائل النور منذ عام 1977م وحتى الآن. وقد أولى الشيخ سعيد النوري في السنوات التي تلت هذه مرحلة قيادته للدعوة اهتمامًا بالغًا بالحفاظ على ما تميزت به دعوة رسائل النور من أصالة وصفاء في بداية ظهورها، وحمل الدعوة مع رفقائه من تلاميذ رسائل النور في تعاون كامل بنفس الحماسة والنشاط والجدّ إلى يومنا هذا، فافتتحت مراكز النور التي تتخذ حروف القرآن أساسًا لها في كل أنحاء تركيا لتنشئة أجيال جديدة تشعر بمسئولية الخدمة للإسلام والقرآن. وهو يمتاز بالصبر والاجتهاد والمثابرة والتواضع الشديد، ولا يحب الأضواء ويفضل أن يعمل بصمت. و مضى بدعوة رسائل النور مرفوع الرأس برغم الابتلاءات والمغريات، وحافظ على مبادئ رسائل النور دون انحراف، ولهذا طلاب رسائل النور فخورون بشيخهم ومرشدهم. وقد تم في عهده افتتاح مطبعة حديثة كبيرة في إسطنبول ثم في إسبارطة لطبع مصحف التوافقات والنسخ الأصلية من رسائل النور بالحروف الإسلامية، وبدأت بالفعل تنتشر نسخ مصحف التوافقات ورسائل النور في كل العالم، ثم توسعت دائرة مراكز النور لتصل إلى بلدان أخرى، حيث افتتحت في كل من السودان ومصر والنيجر والمملكة العربية السعودية وماليزيا وإندونيسيا وغيرها من بلدان العالم الإسلامي، والولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا وهولندة وغيرها من بلدان الغرب ليستفيد الناس من هذه الدعوة النورية عبر ترجمة رسائل النور إلى لغات هذه البلدان. فبالأخص نالت ترجمة رسائل النور إلى اللغة العربية في العهد القريب إعجاب الناس بما تميزت به من سلاسة وموافقة للأصل مقارنة بغيرها من الترجمات. وقد اتخذ الشيخ سعيد النوري مدينتي إسبارطة وإسطنبول مركزا له ومنهما يواصل الدعوة مع آلاف من رفقاء دربه بما تفيض عليهم خدمة القرآن والإيمان من جد ونشاط في كل محافظات تركيا وخارج تركيا.