الإمام بديع الزمان سعيد النورسي

ولد الإمام بديع الزمان سعيد النورسي في قرية ”نورس“ من ولاية ”بتليس“ عام 1293هـ/1877م شرقي تركيا. وبعدما مكث مع أسرته إلى التاسعة من عمره؛ تلقى دراسته الأولى على يد أخيه الكبير الملاَّ عبد الله. وحفظ القرآن خلال أسبوعين ولفت الأنظار إليه بقوة ذاكرته، وذكائه وشجاعته في دراسته القصيرة عند العلماء الكرام وفي المدارس المختلفة في شرق تركيا، وجعل الناس يقبلون تفوقه العلمي؛ حيث إنه أكمل كل المواد المقررة حسب منهج العلماء العثمانيين في ذاك الوقت خلال فترة وجيزة تثير الحيرة مثل ثلاثة أشهر، ونجح في امتحانات أساتذته وفي المناقشات العلمية التي شارك فيها. وقد لقّبه أستاذه بـ”بديع الزمان“ في مرحلة طفولته لقوة ذاكرته وذكائه الفذّ، ووجد هذا اللقب قبولاً عند جميع العلماء في شرق تركيا. وتجول الإمام بديع الزمان بعد عهد شبابه -الذي كان يشتغل فيه بالعلم والرياضة الروحية- في المراكز العلمية الكثيرة مثل بتليس(bitlis) وسعرد(siirt) وتيللو(tillo) وماردين(mardin)، وفي المدارس الموجودة في تلك المناطق، والتقى بأشهر العلماء في عصره وجالسهم. وحفظ في تلك الفترة تسعين مجلدًا في مختلف العلوم كالصرف والنحو والمنطق والتفسير وعلم الكلام، وأتقن العربية والفارسية إلى جانب التركية والكردية كلغات أم. وقف على أن العلوم المدنية الحاضرة أيضًا ضرورية لتبليغ الإسلام إلى إدراك العصر، وبناء على هذا درس بجهده الشخصي العلوم كالرياضيات، والجيولوجيا، والفيزياء، والكيمياء، وعلم الفلك، والتاريخ، والجغرافيا، والفلسفة في فترة وجيزة. وطوال المدة التي أقام فيها في ”وان“ والتي قاربت خمس عشرة سنة اشتغل بالتدريس وبوعظ العشائر وإرشادها، حتى إِنَّه عُرِفت له مدرسة خاصة هناك، وكانت تسمى “خُرْخُرْ”، وفي أثناء وجوده في قصر الوالي طاهر باشا قرأ نبأً في الجريدة أحدث انقلابًا في حياته، وهو أن وزير المستعمرات البريطاني غلادستون قال مشيرًا إلى مصحف بيده: “ما دام هذا القرآن بيد المسلمين فلن نستطيع أن نحكمهم، فلنسعَ إلى نزعه منهم أو إبعادهم عنه مهما كان الثمن”. وقد أثّر في روح الأستاذ هذا الخبر تأثيرًا بالغًا فأخذ عهدًا على نفسه وقال: “لأبرهننّ ولأُظهرنّ للعالم أجمع أن القرآن شمس معنوية لا تخمد، ولا يمكن إخمادها”، ووقف حياته لإثبات قضيته هذه. فأعد مشروع إنشاء جامعة تسمى مدرسة الزهراء التي ستدرس فيها العلوم الدينية والعلوم الحديثة معًا، وسافر إلى عاصمة العثمانيين إسطنبول في عقده الثالث لعرض هذا المشروع على السلطان العثماني، فشارك مع تلاميذه في هذه الحرب ضد الروس، وبعد عامين من الحرب ضد الروس وقع أسيرا، ورجع إلى إسطنبول بعد سنتين من الأسر. بيد أن الذين أمسكوا بزمام إدارة البلد في هذه الدولة الحديثة عقدوا مع الإنجليز اتفاقيات سرية، وبدأوا يمارسون الظلم والقهر لإطفاء نور الإسلام في تركيا، ولكي ينسى الناس القرآن، فأعدم آلاف من الناس وفي مقدمتهم العلماء في المحاكم التي أقاموها خصيصًا لذلك، وأغلقت المدارس الإسلامية، ومنع التعليم الديني، ومنع استخدام الحروف العربية الإسلامية، وأرغم الناس على تعلم الحروف اللاتينية واستخدامها، بل منع الأذان، وكان يرفع باللغة التركية، وهكذا استخدموا كل الوسائل لمحو كل آثار الثقافة الإسلامية من حياة المجتمع. وقد أكد الإمام النورسي على أن السبيل الوحيد لمواجهة هذا الدمار المعنوي هو التوجه إلى القرآن، وألف أربعة عشر مجلدا موسوعيا تحتوي على 130 رسالة سماها “رسائل النور” تناول فيها القضايا الإسلامية المعاصرة. وهذه الرسائل تفند الآراء المعادية للإسلام وتدحض حجج الإلحاد الذي بدأ يُنشر بيد الدولة المؤسسة على العلمانية، وبدأ ينشر هذه الرسائل في كل أرجاء تركيا، وقد ألف هذه الرسائل بإلهام من الآيات القرآنية التي تفند الكفر والضلال وتثبت التوحيد والآخرة، ولم يكن عنده أي مصدر في أثناء التأليف لتلك الرسائل سوى القرآن الكريم، فكان يستلهم من الآيات الكريمة معانيها، ويعيش حالات قلبية وروحية خالصة في أجوائها. وهو في رسائله تخاطب كل العقول والأفهام، والطبقات والأعمار، وتهتم بقضايا كل فئة وكل طبقة وكل عمر، ولا تغفل واحدة منها لحساب الأخرى. وجاءت بأسلوب عصري فريد يجمع بين أصالة الفكرة، وجدية وطرافة المعالجة. وكسب الناس وعيًا إسلاميًّا من جديد ورجوعهم إلى جذورهم الأصلية، وقد اتبع مبدأ “الوقت وقت الجماعة” في جهاده العلمي المعنوي الروحي، وبدأ النشاط العلمي في كل أرجاء البلد مع آلاف من تلاميذه النوريين الذين يقرءون رسائل النور ويكتبونها ويتدارسونها مع من دعوهم إلى منازلهم. وهو أول من قام بالحركة الإسلامية في تركيا الحديثة، وترجمت هذه الرسائل إلى أكثر من 30 لغة عالمية وانتشرت في كثير من دول العالم. وقد أثار ما قام به الإمام النورسي حفيظة أعداء الدين، ما جعله يعيش حياة النفي مدة 34 سنة، فنفي من محافظة إلى محافظة وفي المقدمة محافظة إسبارطة، وسجن وسمم وتعرض للاغتيال مرات عديدة، وكانت حياته كلها تحت المراقبة والضغط، ولكن لم تستطع أي قوة أن تثنيه عن خدمة الإسلام بفضل قوة إيمانه وإخلاصه اللذين أكرمه بهما، وقد وضح في دفاعه في المحكمة هذه العزيمة في خدمته للدين قائلا: “لو كان لي رءوس بعدد شعرات رأسي، وقطعت واحدة منها كل يوم فلن أحني هذا الرأس الذي هو فداء للحقائق القرآنية للزندقة الكفر المطلق، ولن أتخلى عن هذه الدعوة الإيمانية النورية ولا أستطيع”. وهو أول من قام بالحركة الإسلامية في تركيا الحديثة، وأول من تصدى لانقلابات الدولة العلمانية بعد أن ألغيت الخلافة الإسلامية. وقد ترك الإمام النورسي مئات الآلاف من التلاميذ بالإضافة إلى كليات رسائل النور التي هي تفسير إيماني بديع للقرآن الكريم، وانتقل إلى الرفيق الأعلى في مدينة أورفة عام 1960، وقد أشار في كثير من رسائله التي ألفها وكتبها إلى جماعته وتلاميذه أن يجتمعوا حول الأستاذ أحمد خسرو، وقال: “اعلموا أن خسرو الذي هو بطل رسائل النور هو في مكاني أنا”. لم تكف السلطات عن مطاردته حتى وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، بل حتى بعد موته، فنبشوا قبره بعد ثلاثة أشهر من دفنه وأخذوا جثمانه إلى مكان مجهول.